ما فتئت مكاسب الطفولة تتعزز في تونس بفضل الخيارات الرائدة للرئيس زين العابدين بن علي في مجال العناية بهذه الفئة وحرصه الثابت على تأمين أسباب رعايتها وإعدادها على الوجه الأمثل لمواجهة تحديات المستقبل.
وقد جدد رئيس الدولة لدى استماع مجلس الوزراء يوم الاثنين إلى بيان حول التقرير السنوي للطفولة لسنة 2007 التأكيد على تكثيف البرامج الرامية إلى مزيد الإحاطة التربوية والصحية بالطفولة بما يكفل أفضل الظروف لتنشئتها وحمايتها وترسيخ روح المواطنة والسلوكيات الحضارية لديها.
واستعرض البيان مكاسب الطفولة التونسية سيما منها تطوير المنظومة التشريعية الخاصة بالطفل وإحاطة الأم والطفل بالرعاية الصحية اللازمة علاوة على تطوير نظام التعليم بما في ذلك التربية المبكرة فضلا عن نشر الثقافة الرقمية على أوسع نطاق بالنسبة إلى الأطفال إضافة إلى توفير فضاءات الترفيه والتثقيف للأطفال والشبان.
وتتبين مراهنة تونس على الطفولة من خلال ما وضعته منذ تحول 7 نوفمبر 1987 من برامج تنموية ووقائية ذات أبعاد اجتماعية وتربوية وصحية إضافة إلى ما أقرته من إجراءات وتدابير حمائية متنوعة للنهوض بأوضاعها وتعزيز حقوقها بوصفها جزءا لا يتجزأ من المنظومة الوطنية لحقوق الإنسان في تكاملها وترابطها وشموليتها.
" ولئن كانت العناية بالطفولة ورعاية حقوقها وضمان بقائها وحمايتها ونمائها قيما وفضائل متجذرة في الحضارة العربية الإسلامية فإنها قد أصبحت منذ الاستقلال توجها أساسيا لتنمية الموارد البشرية وارتقت مع العهد الجديد إلى منزلة الثوابت والأولويات الوطنية وإلى قناعات شخصية اعتبارا منا أن أي استثمار لفائدة أجيال المستقبل يمثل أهم ضمان لتقدم البلاد واستقرارها" هذه المعاني الواردة في كلمة الرئيس زين العابدين بن علي بمناسبة التوقيع علي القانون المتعلق بإصدار مجلة حماية الطفل في 9 نوفمبر 1995 تختزل مقاربة تونس في التعامل مع أوضاع الطفولة صيانة للحياة وتأمينا للمستقبل.
وإذ اصبح الاهتمام بالطفل الذي يمكن تعريفه على معنى الفصل الثالث من مجلة حماية الطفل التونسية علي انه "كل إنسان عمره اقل من ثمانية عشر عاما" شغلا شاغلا يتصدر برامج كل دولة قانون عصرية تعتمد في تسيير شؤونها على أدوات عديدة من أهمها الأدوات القانونية التشريعية الوطنية أو الدولية الإنسانية فان التجربة التونسية في المجال تبقي من ابرز التجارب الناجحة عالميا سيما وان تونس تعد خامس دولة تصدر مجلة تضمن حقوق الطفل وتعده لحياة افضل بعد بلجيكا وكندا والسويد والدانمارك.
ورغم ان مجلة حماية الطفل تشكل جزءا معتبرا من حقوق الطفل في تونس فإنها لا تمثل حقوق الطفل بأكملها اذ نجد لهذه الحقوق نصيبا أيضا في دستور الجمهورية التونسية وفي مجلة الأحوال الشخصية ومجلة الالتزامات والعقود ومجلة الشغل ومجلة الجنسية والمجلة الجنائية ومجلة المرافعات المدنية والتجارية وفي عدد من القوانين الخاصة المتفرقة أهمها قانون الحالة المدنية والقانون المتعلق بالنظام التربوي.
وما انفك رئيس الدولة يثرى المنظومة الحقوقية للطفل بقوانين جديدة وقد أذن في الذكرى العشرين للتحول بإعداد مشروع قانون يحجر إقامة الأطفال مع أمهاتهم السجينات ويقر إحداث فضاءات خاصة لرعاية الأم الجانحة وإيوائها عندما تكون حاملا او مرضعا وذلك طيلة فترة الحمل والرضاعة علي ان تكمل قضاء عقوبتها بمؤسسات السجون والإصلاح العادية المعدة للنسوة عند انتهاء تلك الفترة.
ويهدف مشروع القانون الى توفير كافة ظروف الإحاطة بالجنين والطفل الرضيع وحمايتهما من التأثيرات السلبية التي يمكن ان تنشا من وجودهما مع أمهات في السجن وضمان سبل التربية السليمة والمتوازنة للناشئة من خلال تخصيص مراكز إيواء منفصلة يتوفر بها مرشدون اجتماعيون ونفسيون ومختلف شروط الإقامة الطبيعية والعادية لوضع الطفل اذا كانت الأم حاملا وبقائه ونمائه اذا كانت مرضعا.
وتلتقي أهداف هذا القانون مع ما تضمنته أحكام كل من المجلة الأممية لحقوق الطفل ومجلة حماية الطفل التي تحرص علي إبقاء الطفل حتى وان كان مهددا أو جانحا في محيطه الأسري اعتبارا أن الوسط العائلي للطفل هو وسطه الطبيعي الأمثل وان مصلحة الطفل الفضلى تفرض اكثر ما يمكن أن يبقي الطفل ضمن عائلته وعلى اتصال دائم بوالديه وسائر أقربائه.
وقياسا على ذلك وإذا ما تعلق الأمر بجنوح الأم إذا كانت حاملا أو مرضعا فلا يجب ان يحرم الطفل من محيطه الطبيعي الذي تختزله الأم في الأيام الأولى للتنشئة لما للمولود الجديد من حاجيات أساسية على غرار الرضاعة الطبيعية والرعاية الصحية والإحساس بالأمان والحاجة إلى الحنان.
وتتضمن كل من الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل ومجلة حماية الطفل عديد المواد المجسدة لمبدأ أهمية العائلة بالنسبة الى الطفل وهما تنصان على ضرورة احترام حق الطفل في الحفاظ على هويته بما في ذلك جنسيته واسمه وصلاته العائلية ضمانا لنمو متوازن وتنشئة سليمة.
كما يختزل مشروع القانون ابرز الحقوق الأساسية للطفل التي تضمنتها الاتفاقية الدولية كحقه في الحياة بتمكينه من كل احتياجاته الأساسية كالغذاء والسكن والخدمات الصحية وحقه في الهوية بتمكينه منذ الولادة من اسم ولقب وتاريخ ولادة وجنسية وحقه في الحماية البدنية والمعنوية بحمايته من كافة أشكال العنف او الضرر او الإساءة البدنية او المعنوية او الجنسية او الإهمال او التقصير او سوء المعاملة وغيرها.
وقد كانت تونس سباقة في الإمضاء والمصادقة على اتفاقية آلام المتحدة لحقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للمنتظم الأممي بالإجماع في 20 نوفمبر 1989 ودخلت حيز النفاذ سنة 1990.
كما صادقت على مختلف الصكوك الدولية المتعلقة بحماية الطفولة كالبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشان بيع الاطفال ودعارة الاطفال في العروض والمواد الإباحية والبروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلقة باشتراك الاطفال في النزاعات المسلحة واتفاقية منظمة العمل الدولية بشان السن الأدنى لتشغيل الأطفال واتفاقية منظمة العمل الدولية بشان أسوأ أشكال عمل الأطفال.
وظلت التعهدات الدولية لتونس دوما منطلقا لإنجاز عديد الإصلاحات القانونية لفائدة الطفولة وأبرزها إصدار تشريع خاص بهذه الفئة وتنقيح مجلة الأحوال الشخصية في جويلية 1993 لتنظيم العلاقة الزوجية وتنقيح بعض الفصول من المجلة الجنائية ومجلة الالتزامات والعقود لتتكامل جميعها مع ما جاءت به أحكام مجلة حقوق الطفل.
ويهدف تنقيح فصول مجلة الأحوال الشخصية الى دعم دور المرأة في مجال الولاية وتصريف شؤون الأبناء.
كما يرمي من خلال تعزيز الشراكة مع الرجل الى الحفاظ على التوازن الأسري بما يضمن تنشئة سليمة للطفل.
وقد شملت مراجعة المجلة الجنائية في 9 نوفمبر 1995 إتمام بعض فصولها بهدف تدعيم حماية الطفل مما يمكن ان يتعرض له من استغلال جنسي او اقتصادي من قبل فرد أو عصابة منظمة.
وتمثلت مراجعة مجلة الالتزامات والعقود في تعديل الفصل 93 وإضافة الفصل 93 مكرر وتركزت المراجعة خاصة على المسؤولية المزدوجة والمشتركة لكل من الأب والام عن الفعل الضار الصادر عن الطفل بشرط ان يكون ساكنا معهما وفي صورة وفاة الأبوين او فقدانهما الاهلية تكون المسؤولية ملقاة على عاتق الكافل.
وتم بمقتضى قانون 1995 اتمام قانون 1992 المتعلق بالمخدرات وذلك بهدف إعطاء الأولوية للمعالجة الاجتماعية والطبية على المعالجة القضائية من خلال إخضاع الطفل في جرائم الاستهلاك او المسك لغاية الاستهلاك للعلاج الطبي والاجتماعي او لكل تدبير منصوص عليه بالفصل 59 من مجلة حماية الطفل.
واستلهمت مجلة حماية الطفل مبادئ الاتفاقية الاممية لحقوق الطفل وراعت في الان نفسه الأبعاد الحمائية الهامة في التنشئة من ذلك ما يتعلق بحق الطفل في التعليم والصحة وعدم الاستغلال الاقتصادي.
وأكدت المجلة التونسية على تنشئة الطفل على الاعتزاز بهويته الوطنية وعلى الوفاء لتونس والولاء لها والشعور بالانتماء الحضاري وطنيا ومغاربيا وعربيا وإسلاميا والانفتاح على الآخر وفقا لما تقتضيه التوجهات التربوية العلمية.
وقد تزامن إقرار عديد الإصلاحات التشريعية لفائدة الطفل في تونس مع بعث الآليات الرامية لدعم حقوق الطفل وحمايته كإحداث سلك مندوبي حماية الطفولة وإحداث مرصد للإعلام والتكوين والتوثيق والدراسات حول حماية حقوق الطفل وذلك من اجل إحكام متابعة أوضاع الطفل في سائر الميادين ورصد واقع الطفولة وتجميع المعلومات حولها وطنيا وإقليميا ودوليا.
ويبرز إحداث برلمان الطفل الذي يعد فضاء للحوار يعود الأطفال على المسؤولية ويمكنهم من التعبير عن آرائهم في المواضيع المتعلقة بحقوقهم إيمان تونس التغيير بان بناء المجتمع الحر الديمقراطي على أسس ثابتة ودعائم متينة يبقى رهين تنشئة طفل اليوم على المبادئ السامية والقيم النبيلة وعلى ثقافة المشاركة في الحياة الجماعية وما تقتضيه من تعايش حضارى وادراك للحقوق والواجبات بما يؤهل لاعداد مواطنين قادرين على تحمل المسؤولية في سائر المواقع.
وفضلا عن احياء تونس في 11 جانفى من كل سنة اليوم الوطني للطفولة لتثمين وإثراء رصيد المكاسب في مجال حماية الناشئة فان تخصيص شهر كامل من كل سنة لحماية الطفولة ينطلق يوم 20 نوفمبر تزامنا مع الاحتفال بإقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل يترجم وعي تونس العميق بالأهمية التي تكتسيها الطفولة في المجتمع.
ويمثل هذا الشهر مناسبة هامة وفرصة لترسيخ العمل بين مكونات المجتمع المدني في هذا المجال ولمزيد نشر ثقافة حقوق الطفل لدى كافة فئات المجتمع وللوقوف عند آخر المستجدات الوطنية والعالمية ذات العلاقة في ظل الثورة التكنولوجية التي تعيش على وقعها الإنسانية.
وبقدر ما تتيحه هذه الثورة التكنولوجية في مجال وسائل الاتصال والمعلومات من فرص وإمكانات للنفاذ الى المعرفة فانها تضع الإنسانية أمام تحديات ورهانات يتعين رفعها ومن أهمها إتاحة فرص متكافئة أمام جميع أطفال العالم حتى ينعموا بحقهم في النفاذ الى مجتمع المعلومات وهم في وقاية تامة من تاثيراتها السلبية ومن مخاطر الادمان عليها.
كما يدعو الوضع الراهن الى حسن توظيف التقنيات الجديدة للاتصال والتعامل الرشيد معها بما يجعلها أدوات حاسمة وإيجابية للسمو بالطفولة وحمايتها من كافة إشكال الاستيلاب الفكري ومختلف نوازع الاستغلال.
|